الذهبي
610
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
تاشَفِين أن يراسل المعتمد ، يستأذنه في رجالٍ من صُلَحاء أصحاب ابن تاشَفِين رغِبوا في الرّباط في حصون الأندلس . فاذِن له . وأراد ابن تاشَفِين أن يكون له بالأندلس أعوانًا لوقت الحاجة . وقد كانت قلوب الأندلسيّين قد أُشْرِبَت حُبَّ ابن تاشَفِين ، فانتخب رجالًا ، وأمّر عليهم قرابته بُلَّجِين ، وقرَّر معه أمورًا ، فبقوا بالأندلس إلى أن ثارت الفتنة . ومبدؤها في شوّال سنة ثلاثٍ وثمانين . فملك المرابطون جزيرة طريف ، ونادوا فيها بدعوة أمير المسلمين يوسف . ثمّ زحف المرابطون الّذين في الحصون إلى قُرْطُبة فحاصروها ، وفيها المأمون ابن المعتمد فدخلوها ، وقتل المأمون بعد أن أبلى عذرًا وأظهر في الدّفاع جَلَدًا وصبرًا في صَفَر سنة أربعٍ وثمانين . فزادت الإحْنة والمحنة ، وعَلَت الفتنة . قال ابن خَلِّكان : وحاصروا إشبيليّة - وبها المعتمد - أشدّ المحاصرة ، وظهر من شدّة بأس المعتمد ومصابرته وتَرَاميه على الموت بنفسه ، ما لم يسمع بمثله . فلمّا كان في رجب سنة أربعٍ هجم جيش ابن تاشَفِين البلدَ ، وشنُّوا فيه الغارات . ولم يتركوا لأحدٍ شيئًا . وخرج النّاس يسترون عوراتهم بأيديهم . وقبضوا على المعتمد . وقال عبد الواحد المذكور : وفي نصف رجب ثاروا على المعتمد ، فبرز من قصْره وسيفه بيده ، وغلالته ترفّ على جسده ، لا درع عليه ، ولا دَرَقَة معه ، فلقي فارسًا مشهور النَّجْدة فرماه الفارس بحربةٍ ، فأصاب غِلالَتَه ، وضرب هو الفارس بالسّيف على عاتقه ، فخرَّ صريعًا . فانهزمت تلك الْجُموع ، وظنَّ أهل إشبيليّة أن الخِناق قد تنفّس . فلمّا كان وقت العصر ، عاودهم البربر ، فظهروا على البلد من واديه ، وشبّت النّار في شوانيه ، فعندها انقطع العمل وخاب الأمل . وكان الّذي ظهر عليها من جهة البَرّ جدير ابن البربريّ ، ومن الوادي الأمير أبو حمامة . والْتَوَتِ الحال أيّامًا ، إلى أن قدِم سِير ابن أخي يوسف بن تاشَفِين بعساكره ، والنّاسُ في تلك الأيّام يرمون أنفسهم من الأسوار . فاتَّسع الخَرْق على الرّاقع بمجيء سِير ، ودُخِل البلد من واديه ، وأُصيب حاضره وبادِيه ، بعد أن جدّ الفريقان في القتال ، وشُنَّت الغارة في